تحلّ اليوم خمس سنوات على الرحيل الموجع لأسطورة كرة القدم دييغو أرماندو مارادونا، الرجل الذي لم يكن مجرد لاعب، بل لغة كاملة من السحر والمتعة والحزن والتمرد… رجلٌ أعاد صياغة خيال اللعبة إلى الأبد، ثم تركها فجأة يتيمة في الخامس والعشرين من نوفمبر 2020.
رحل دييغو عن عمر الستين إثر أزمة قلبية، بعد أسابيع من صراع صحي معقد، لكن الحقيقة الأقسى ظهرت لاحقاً: لجنة من عشرين خبيراً خلصت إلى أن مارادونا لم يتلقَّ الرعاية الكافية، وأن يد الإهمال شاركت في إسدال الستار على حياته… وكأن القدر قرر أن يخطفه بالطريقة الأكثر إيلاماً.
طفل من الضواحي… يولد منه أسطورة
وُلد دييغو في إحدى أكثر مناطق بوينس آيرس فقراً في 30 أكتوبر 1960. طفلٌ نحيل بقدمين قادرتين على اختراع المستحيل، اكتُشفت موهبته وهو في الثامنة، لكن لم يكن أحد يتوقع أن يصبح صوته أعلى من صوت الفقر، وأن يُكتب اسمه إلى جانب أعظم من لمس الكرة.
بدأ مع إستريّا روجا، ثم أرجنتينوس جونيورز حيث وقّع أول عقد احترافي وهو لم يبلغ السادسة عشرة، قبل أن يشق طريقه إلى بوكا جونيورز عام 1981، ويبدأ رحلة عبور القارات.
نابولي… المدينة التي جعلت منه إلهاً
مرّ دييغو من برشلونة، وتألق وسجّل وفاز بالألقاب، لكن المجد الحقيقي لم يولد هناك…
المجد خُلق في جنوب إيطاليا، حيث كانت نابولي مدينة تبحث عن بطل، فوجدت نفسها أمام رجل أكبر من كرة القدم نفسها.
منذ لحظة وصوله عام 1984، أصبح مارادونا أكثر من لاعب. صار رمزاً للمدينة، وصوتاً لفقرائها، وشرارة ثورة كروية لم تنطفئ إلى اليوم.
على مدار 258 مباراة، سجّل 115 هدفاً، وقاد النادي لكتابة تاريخه الذهبي: لقبان في الدوري الإيطالي، كأس الاتحاد الأوروبي، كأس إيطاليا، كأس السوبر… وذكريات لا تُنسى.
اليوم، بعد خمس سنوات على رحيله، لا تزال نابولي تعيش كما لو أنها فقدت أحد أبنائها. في «لارجو مارادونا»، يقف الناس يومياً أمام جداريته، يضعون الورود، يشعلون الشموع، ويبكون رجلاً لم يلتقوه قط… لكنهم أحبوه كما يُحب الأب.
مونديال 1986… حين أمسك دييغو العالم بقدمه اليسرى
في المكسيك، صنع مارادونا ما يشبه الخيال.
ضد إنجلترا، سجّل “يد الله”، ثم قدّم للعالم هدفاً سيظل يُروى لقرون:
60 متراً في عشر ثوانٍ، مراوغة خمسة لاعبين، ولقطة أصبحت لاحقاً هدف القرن.
قاد الأرجنتين للتتويج بكأس العالم، وأصبح رمزاً وطنياً لا يقل قيمة عن علم البلاد.
بعبقريته… وبضعفه الإنساني أيضاً
لم يكن دييغو ملاكاً. أحب الحياة بعنف، وأخطأ كثيراً، ووقع ضحية ذاته مرات أكثر.
إيقافات، مشاكل مخدرات، صراعات صحية، وخلافات مع السلطات في إيطاليا والأرجنتين.
لكنه بقي دييغو: لا يختبئ، لا يخاف، ولا يعتذر عن كونه نفسه.
دييغو المدرب… ظلّ بلا سحر
دخل التدريب وقاد منتخب الأرجنتين، لكنه لم يستطع أن يعيد إنتاج العبقرية التي امتلكها كلاعب.
ظلّ اسمه ثقيلاً، أكبر من كل تجربة درّبها، من الوصل والفجيرة إلى دورادوس وخيمناسيا.
عالم بلا دييغو… فراغ لا يُملأ
في 25 نوفمبر 2020 توقّف قلب دييغو، وتوقّف معه جزء من روح اللعبة.
حزن العالم كله. تحوّلت شوارع نابولي إلى جنازة مفتوحة، وارتفعت صور مارادونا في الأرجنتين وكأن الأمة تبكي ابنها الأكبر.
بعد خمس سنوات، خلّدت بلاده ذكراه بإصدار عملة فضية تحمل انطلاقته الأسطورية في “هدف القرن”، بينما حمل ليونيل ميسي كأس العالم 2022 وكأن القدر أراد أن تبقى روح دييغو حاضرة في كل لحظة مجد.
سيبقى دييغو…
سيبقى مارادونا البطل الذي عاش بعنف ومات مبكراً.
الرجل الذي جعل الأطفال يحلمون، وجعل المدن تنتفض، وجعل كرة القدم أجمل مما هي عليه.
سيبقى اسمه نبضاً في الشوارع، أغنية في المدرجات، ودمعة في عيون كل من يعرف أن بعض الأساطير تمشي مرة واحدة في العمر… ثم لا تتكرر
